الحريه الشخصيه
مفكره ناقده للممرسات الدكتاتوريه
اللبراليه2

تكاد تكون التجربة العربية الليبرالية السياسية معدومة , فماعدى الدولة العراقية الحديثة .. والتي يسميها بعض المحللين السياسيين تجاوزاً إسم "الدولة الليبرالية" , والدولة الموريتانية الناشئة بعد الإنقلاب ضد الحكم الدكتاتوري لمعاوية ولد الطايع .. ماعدا هذين النموذجين المهددين بالقتل.. فإن بقية الدول العربية أستطيع القول عنها وأنا مرتاح العقل والسريرة أنها نُظُم تحت حصار الحكم الشمولي التوليتاري .. وتتنوع مسميات وطرق هذه الأنظمة بين الإسلامي أو القومي أو الوطني وكلها مسميات في الغالب لاتدلل على حقيقة واقعة تطبيقاً بل هي مجرد شعارات تكاد تكون فارغة والسلطة المطلقة بيد أشخاص بعينهم .

الليبرالية فكر قبل أن تُترجم إلى ممارسة , إنها سلوك يأخذ بعين الاعتبار استقلالية كل فرد عن الفرد الآخر , وحرية الخيار هي المعيار الواقعي لقياس نجاح الليبرالية ووصولها إلى مرحلة النضج .

العطاء الليبرالي العربي ظل محصوراً في الورق ولم يترجم إلى ممارسة واقعية أو تجمع سياسي فعلي , ومعظم المؤلفين الليبراليين العرب كطه حسين .. صاحب أول شهادة دكتوراه في العالم العربي عن أدب المعري وأعقبها بشهادة دكتوراة أخرى كمؤرخ .. وساهم إسهاماً جليلاً في إثراء الثقافة العربية وعقلنتها وإزجائها بالأفكار النقدية والإنسانية , كذلك فقد ضمَّ التيار الليبرالي العربي في رعيله الأول المفكر المصري سلامة موسى صاحب الأربعين مؤلفاً .. وهو أول من ترجم كلمة ثقافة كرديف عربي لكلمة culture الأوروبية . ولا نستثني مؤلفات عبدالله القصيمي الإصلاحية والتي عالجت مشاكله الشخصية مع الفكر الديني لكونه رجل دين سابق ومن ثم ناقد ومفكك للبنية الدينية وأفكارها التقليدية . ومن الليبراليين المعاصرين لا نغفل عن المرور بأسماء كبيرة كنوال السعداوي ونصر حامد وسيد القمني , غالبية هذه الأسماء – من الرعيل الأول أو المعاصر- تعرضت للاضطهاد والتنكيل والتشنيع على أيدي السلطات السياسية والدينية , وجرجروا إلى المحاكم بدعاوي مختلفة وتحت ذرائع كثيرة , كما تمت عدة محاولات لتصفيتهم جسدياً وفكرياً , ورغم التعدد البائن والتفاوت المستجلي في أفكار وكتابات الليبراليين العرب إلا أن هذا يعكس أنوار وألوان وتموجات اللوحة المتلونة الفسيفسائية للفكر الليبرالي العربي والإنساني عامة . , لكن القاسم المشترك الأكبر بين هذه الأسماء هي أنها تحاول الوصول إلى نقطة واقعية وعقلانية يمكن من خلالها إنشاء نظام إنساني يحكم الدولة والمجتمع ويرتقي بأحوال دولهم التعيسة والتي تقطن أسفل سلم التطور البشري حسب تقارير المنظمات الإنسانية الكثيرة , وأشهر هذه التقارير هو تقرير التنمية التابع لمنظمة الأمم المتحدة والذي كشف عن تهافت الأوضاع الإنسانية في العالم العربي وبصورة مزرية جداً وعلى جميع المستويات وعلى كل الأصعدة دون أي إستثناء .



بينماتبدو الليبرالية الإسلامية الغير عربية أفضل حالاً وإن كان يشوبها بعض التحفظات , لكن أفضل الطرق لاستشراف الوضع القائم في الدول الإسلامية هو استحضار النماذج الجاهزة ومقارنتها بجارتها العربية .

فعلى سبيل المثال النموذج الماليزي يعتبر نموذجاً مثالياً ديمقراطياً وليبرالياً , والأهم أنه مجتمع تقدمي صناعي ينافس بعض القوى الصناعية الأخرى في أقصى الشرق "اليابان وكوريا" , لكن هذا النموذج الماليزي يقع في بيئة أيكولوجية مغايرة عن الحال السائد في العالم العربي , فالماليزيون مثلاً تتشكل هويتهم من عدة إثنيات وديانات مختلفة ساهمت بشكل كبير في استنهاض ماليزيا وإقحامها حيز التقدمية الصناعية , ولعل أهم هذه المجموعات الإثنية هي الأقلية الصينية المسلمة في ماليزيا والتي تُدير الإقتصاد الماليزي وتشرف على نموه .

بينما يطفو لنا نموذج آخر على السطح وهو النموذج الليبرالي التركي , فعلى الرغم من عسكرتاريا الدولة التركية العتيدة منذ إنشائها على يد جنرالات الجيش العثماني , إلا أننا لمحنا في السنوات الأخيرة تسارعاً ملحوظاً في إيقاع الإصلاح , وظهور الأحزاب المشاركة في السلطة بقوة , ومن بينها الحزب الإسلامي "العدالة والتنمية" والذي يشرح ثورة في العمل الحزبي الإسلامي , فالإسلاميون الأتراك لم يعودوا يربوا اللحى ويطوفون في الأحياء منادين بالصلوات بقدر مايهتمون باستجداء أوروبا أن تعطي تركيا فرصة الانضمام للسوق الأوروبية المشتركة , بل إن العمل الإسلامي التركي أصبح يبيح العلاقات الجنسية ويعترف بها , ولايحرم المعاملات الربوية , وسمعنا مؤخراً أنه تم تعيين نساء يعملن في الفتوى وبدون ارتدائهن للحجاب , كما أن المفتى التركي يتحدث ثلاث لغات من غير لغته الأصلية , وهذا فعلاً تغيير قوي وقفزة عن النمط السائد لدى الإسلاميين "العرب" المشهورين بتقوقعهم وعزلتهم عن العالم , وإن كان النموذج التركي هو الآخر لا يغاير شبيهه الماليزي حيث أن التكوين الإسلامي لهذه الدول ليس شرطاً مهماً في موازاة التكوين العربي الذي تنطبق عليه مقولات وأمثال ونفسيات أكثر تعقيداً .

الليبرالية الإسلامية ستكون القائدة المستقبلية للتطور والتحرر من قيود الرجعية والدكتاتورية والعسكرتارية والذكورية وكل ما يعترض طريق الإنسان الأسمى ( الإنسان الحُر المستقل مادياً ومعنوياً وفكرياً ) , وسيعوَّلُ على الليبرالية الإسلامية كثيراً في الشؤون الإصلاحية .. لأنها حلقة الوصل بين الحاضر والمستقبل .. ولأنها أقصر الطرق إلى الليبرالية , وبدونها سيطول الصدام وستتمدد فترة التوتر بين التيارات المادية والروحانية , وسيتقدم ذكر أفضال الإصلاح الديني على الليبرالية الأوروبية ومساهمة الفكر الديني في خلق مساحة فكرية واسعة تستطيع مجاراة الزمن وتفهم تعقيداته وتناقضاته دون أن تفقد هذه الأفكار الدينية مصداقيتها وقداستها التي يفترض أن تحوزها .

نهاية الجزء الثاني

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية