باحث تونسي : الاسم الحقيقي لمحمد .. قثم .. وإنه لم يكن أبدا أميّا
لم يستبعد الباحث والمفكر التونسي الدكتور هشام جعيط في كتابه الأخير “تاريخية الدعوة المحمدية” أن تكون بعض العبارات والآيات زيدت في النص القرآني عند تدوينه.
واعتبر أن التأثيرات المسيحية على القرآن لا يمكن إنكارها. وعن محمد قال إنه ولد في حدود سنة 580م، وإنه كان يدعى “قثم” قبل بعثته، وتزوج وهو في الثالثة والعشرين وبعث في الثلاثين، وإنه لم يكن أبدا أميّا….
وفي ندوة عقدت في تونس نهاية الأسبوع الماضي وعرض فيها لكتابه، شدد الكاتب على أن ما توصل إليه من نتائج هو ثمرة “عشرات السنوات من البحث والدراسة وفق مناهج علمية صارمة” وأنه إذ ينشرها فلأنه على يقين بأن ما يورده من “حقائق ينشر لأول مرة”.
غير أن باحثا تونسيا أشار في معرض تعقيبه على الكتاب إلى أن الرؤى التي يطرحها سبق أن طرح معظمها مستشرق ألماني في القرن الـ19 الميلادي.
يقول جعيط مقدما كتابه “تاريخية الدعوة المحمدية” إنه “عنوان يشير إلى وضع الدعوة في تاريخيتها الخاصة، في وسطها الداخلي والخارجي وبين البشر”.
وهو الجزء الثاني من مشروع للباحث يتناول فيه السيرة النبوية، وصدر الجزء الأول منه تحت عنوان” الوحي والقرآن”. وحسب الكاتب فان مبحثه في هذا الكتاب يتناول مسار محمد في مكة من ولادته إلى الهجرة بما في ذلك المناخ المحلي والعالمي اللذين ظهر فيهما الرسول محمد ودعا فيهما إلى دعوته.
وهي دراسة تاريخية وضعية بحتة، التزم خلالها أن يضع بين قوسين قناعاته العقائدية؛ فهو “يتناول الحقائق الدينية بالوصف والتحليل بالبحث في التأثيرات والتطورات، ويضعها في لحظتها التاريخية من دون الالتزام بالمعطى الإيماني”.
اعتمد الدكتور –كما قال- في كتابه على علم التاريخ الذي يرى أنه بلغ درجة من المصداقية قربته كثيرا من العلوم الصحيحة، وهو يستعمل علم التاريخ بتداخل مع مجموعة أخرى من العلوم والمعارف مثل الأنثروبولوجيا (علم الأجناس) والفيلولوجيا (علم اللغة).
ويلخص جعيط -كما جاء في الجزء الأخير من مقدمة الكتاب- منهجه في التعامل مع هذا الموضوع بقوله: “إنه استقراء الماضي متسلحا بمعرفة دقيقة بالمصادر والمراجع وبالتعاطف اللازم مع موضوعه وبرحابة صدر وثقابة الفكر..” وأضاف: “ما سنحاوله هنا هو إعطاء نظرة أنثروبولوجية للثقافة العربية قبل الإسلام أولا، واستقراء للنص القرآني وتتبع التأثيرات الخارجية والنظر النقدي في المصادر التاريخية والبيوجرافية”.
وعن غرض الكتاب يقول جعيط إنه إنما ألف كتابه عن السيرة؛ لأنه “أراد أن يوثق خلاصة بحوثه التي توصل إليها خلال مرحلة تدريسه بالجامعة التونسية”. كما شدد على لو أنه “لم يكن فيما توصل إليه جديد ما كان لينشر هذا الكتاب”.
وشدد المؤلف في ندوة جمعته نهاية الأسبوع الماضي بثلة من الباحثين والأساتذة الجامعيين وهو يشرح دواعي تناوله لهذا الموضوع على أنه ” ليس هناك أفضل من الرسول محمدا لتسليط الأضواء على حياته وسيرته بشكل علمي “؛ لأن ما غلب على دراسات السيرة هي الرؤية الدينية الصرف. وهذا ما لا يطمئن إليه الباحث الذي عليه أن “يضع اعتقاداته بين قوسين”، كما قال.
وفيما يخص ما كتب عن حياة الرسول اعتبر أن المصادر التاريخية مثل سيرة ابن إسحاق أو ابن هشام أو غيرهما ” لا تعطي إجابات علمية دقيقة؛ نظرا لتأخر تدوين هذه السير ولغلبة النزعة الوعظية عليها “.
أما الكتابات الحديثة فقد أعتبر أن ” أغلبها لا يرقى حتى إلى ما كتبه القدامى من حيث القيمة العلمية”، واستثنى من هذا الحكم كتاب “حياة محمد” لمحمد حسين هيكل والذي اعتبره “آخر الكتابات المحترمة”.
وأكد على أن غرض الباحث دائما هو ” مناقشة المسلّمات ” وأن ” المعرفة التاريخية تبقى نسبية ومتغيرة بتغير المصادر والوثائق “، كما أشار إلى أن هناك نقاط استفهام عديدة تطرح حول معرفتنا عن تلك الحقبة؛ لأن هناك نقصا في هذه الوثائق، وهو نقص أدركه كل من اشتغل على الشأن الديني أيا كان هذا الدين. إلا أن وجود هذه الصعوبات لا ينفي إمكانية إنشاء معرفة تاريخية عن الدين مستقلة ومختلفة عن الأبحاث الفقهية.
وينتهي البحث إلى جملة من النتائج تتعلق بالقرآن والنبي محمد والصحابة والدعوة بصفة عامة.
يشدد الكاتب في بداية الجزء المخصص للقرآن أن الباحث في الإسلاميات محظوظ؛ لأن ” النص المتضمن على محتوى الرسالة، أي القرآن، طويل ومديد قياسا بما احتفظ به لنا من قبل، مثل ما يتعلق بزرادشت وبوذا والمسيح “.
وشدد على أن القرآن ” منغمس في تاريخية الدعوة؛ لأن النبي أفصح به إلى محيطه في مكة في فترة معينة من الزمان؛ لذلك فالقرآن يتخذ طابعا موضوعيا تاريخيا، وهذا بغض النظر عن كون القرآن كلاما منزلا على النبي محمد أو هو مجرد كلام النبي معتقدا أنه وحي “، ويخلص بالتالي إلى أن ” اللجوء إلى القرآن كمصدر تاريخي مهم جدا لأنه يعطي تفاصيل عن الأحداث التي يثبتها فيجعلنا نتحقق من وجودها “.
ويثبت الكاتب بالنسبة للقرآن أنه جمع في عهد النبي وأنه سهر شخصيا على جمعه وكتابته. غير أن هذا لم يمنعه من إيراد احتمال أن تكون هناك آيات أو كلمات سقطت من القرآن وأخرى زيدت فيه. ويضرب مثلا على ذلك بقوله تعالى ” وأمرهم شورى بينهم ” ويرى جعيط أن هذه الآية لا تنسجم مع نسق الآية التي وضعت فيها، إضافة إلى أن ” أمرهم ” أي حكم المسلمين لأنفسهم في زمن النبي عن طريق الشورى غير مقبول، ” فاعتماد مبدأ الشورى يكون مقبولا بعد النبي، أما في حياته فلا؛ لأنه هو ولي الأمر حينها “. كما استغرب الكاتب أن يرد الخطاب بصيغة الغائب في حين أن الرسول كان بينهم.
وبالنسبة لشخص الرسول محمد يقول الكاتب إنه ولد سنة 580م وإن كل حديث عن ميلاده سنة 570 أو 571م ” لا يصمد أمام الفحص “.
وهو يرى أن ربط تاريخ ميلاد النبي بهجمة أبرهة على العرب، ” زيادة على أنه مخالف لما وجد في بعض النقوش والذي يجعل تاريخ الهجمة في حدود سنة 547م؛ فهو لا يعدو أن يكون علامة زمنية، ذلك أن عام الفيل أصبح أداة للتأريخ وليس له بعد غيبي يعطي لتاريخ ميلاده أي رمزية دينية “.
وحسب جعيط، فإن الرسول بعث وهو في الثلاثين من عمره باعتبار أن تاريخ الميلاد هو سنة 580 وليس 570 ولأن سن الأربعين سن الشيخوخة؛ لذلك فهو يستغرب كيف يقرر القران أنها – أي الأربعين- هي السن التي يبلغ فيها الإنسان أشده. ويخلص مبحثه في هذه المسألة بالقول: ” رأيي أن محمدا بعث في الثلاثين أو حتى قبل ذلك ولم يولد إلا حوالي سنة 580 ميلاديا ولم يعش إلا خمسين سنة “.
وقال عن والده إن اسمه لم يكن عبد الله، والأرجح هو أن النبي محمد هو من أطلق عليه هذا الاسم. أما عن اسمه فقال الكاتب إنه لم يكن محمدا منذ الولادة مستشهدا في ذلك بأن القرآن لم يسمه باسم محمد إلا في السور المدنية ” محمد رسول الله والذين آمنوا معه ” ( الفتح )، ” وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ” (آل عمران)، واعتبر الكاتب أن اسم محمد هو واحد من التأثيرات المسيحية وأنه نقل إلى العربية عن السريانية وأنه يعني في تلك اللغة ” الأشهر والأمجد ” وأن صيغتها الأولى كانت ” محمدان “.
أما الاسم الحقيقي للرسول محمد ” قثم “، وسمي بهذا الاسم لأن أحد أبناء عبد المطلب كان اسمه ” قثم ” ومات على صغرٍ فسمي النبي على اسم عمه المفقود، بحسب رؤية الكاتب.ويضيف الكاتب جملة أخرى من الاستنتاجات التي توصل إليها بخصوص النبي محمد منها أن والده توفي بعد ولادته وأن زواجه من خديجة كان في سن 23 وأن عمرها حين تزوجها النبي كان 28 سنة.
ويرى الكاتب خروج محمد للتجارة في اليمن والشام فتح له المجال واسعا للاطلاع بدقة على التراثين المسيحي واليهودي؛ وهو ما تعكسه التوافقات الكبيرة بين الكتاب المقدس بعهديه والكتب المنحولة وبين القرآن، وأن ” كل ما قيل عن ثقافة محمد القائمة على السماع أو بالاطلاع المتدرج غير صحيحة، كما نفى قصة تشجيع ورقة ابن نوفل للنبي محمد لأن ” ما قاله ورقة لا معنى له “. ويضيف ” قصة ورقة ابتدعت لإضفاء صبغة الحقيقة لما أتى به النبي في الأول “.
وأشار إلى أن الرسول محمد لابد أن يكون قد تلقى بعض التأثيرات المسيحية قبل حتى أن يبدأ رحلاته للشام حيث تعمقت تلك المعارف، وما ساعده على ذلك هو أنه كان يعرف السريانية ؛ وهو ما ينفي فكرة أن النبي محمد كان أميا. وأما ” الله ” عند محمد فهو اسم الإله الواحد عند مسيحيي الشام كما أن “رحمنان” هي تسمية الإله الأب عند مسيحيي اليمن.
ويخلص الكاتب بعد أن أمعن في محاولة تبيان مواطن التشابه بين القرآن وعدد من الكتب المقدسة التي سبقته إلى القول: ” كمؤرخين يجب أن نقر بتأثير المسيحية السورية على إسكاتولوجيا (العلم الأخروي) القرآن وعلى قسط وافر من الأفكار والتعبيرات، وأن القرآن كنص من القرن السابع الميلادي ووثيقة من هذه الفترة قد أخذ من موروثها ببراعة فائقة “.
ويضيف: ” فالإسلام ملأ ثغرة لمن كان يتوق التنصر… ومعنى ذلك أن الإسلام الأولي في منبعه متأصل جدا في المسيحية “، وهو ما يؤكده تشابه بعض التعبيرات القرآنية واللغة السريانية، فسبحانك تقابلها في السريانية شبحالك، وتباركت تقابلها بريك أت.
إلى جانب هذه النتائج التي يقول الكاتب إنه توصل لها، يعرض جملة أخرى من الاستنتاجات، منها مثلا أن معنى الكفر لم يتبلور في معناه العقائدي إلا في المرحلة المدنية، أما في المرحلة المكية فلم يكن هناك تفريق بين المؤمنين والكافرين بهذا التوصيف، ومنها تشكيك في بعض الروايات عن تاريخ إسلام عمر بالنسبة لتاريخ الدعوة المحمدية.